ابن ميمون
242
دلالة الحائرين
--> فالتغير الّذي يقع في الجوهر مثل ان يصير الماء هواء ، والهواء نارا ، والنار أرضا أو بالعكس ، ويسمى هذا التغيير كونا للنوع الّذي يحدث ، فسادا للنوع الّذي زال ، هذا في البسائط ، وأما في المركبات فمثل أن تصير الحنطة دما ، والدم لحما وعظما وعصبا ، وكما يصير النحاس عند احتراقه كلسا والخشب رمادا وهذا التغير يكون دفعة إذ الحركة لا تقع في مقولة الجوهر لأن الحركة تحتاج إلى الاشتداد والتنقص ، والجوهر لا يقبلهما ، فالكون والفساد يكونان دفعة ، وقد يظن الكون أن الكون قد يقع بالتدريج يسيرا يسيرا مثل تكون الجنين من النطفة ، وليس بحق ، فان ذلك حركة في الكيف ، وهو حدوث المزاج مع توابعه ولا شك أنها كيفيات ، ثم إذا تم المزاج بتوابعه فإنه يحدث نفس الحيوان دفعة من غير تدريج . وأما التغير في الكم فهو أن يصير مقدار الجسم أزيد مما كان أو أنقص مما كان وكل واحد منهما أيضا على قسمين لأن تلك الزيادة والنقصان قد تكون بانضمام جسم آخر إليه بقوة طبيعية ويسمى نموا كالنبات إذا زاد مقداره ، إذا انضم غذاؤه بقوته الطبيعية النامية . وقد تكون بانتقاص جزء منه ، ويسمى اضمحلا لا وذبولا ، وهو في مقابلة النمو ، كالنبات فإنه ينقص مقداره بالذبول والاضمحلال ، وهذان القسمان ذكرهما صاحب الكتاب فحسب ، وقد يزيد مقدار الجسم وينقص لا بانضمام جزء إليه أو انتقاصه منه ، ولكن بأن يزول عن الهيولى مقداره ، ويحدث فيه إما مقدار أكبر مما كان ويسمى تخلخلا ، أو مقدارا أصغر مما كان ويسمى تكاثفا . مثال التخلخل : هو أن يمص كوز الفقاع مثلا إذا كان خاليا فينبسط الهواء الّذي فيه لضرورة عدم الخلاء ، فإذا كب على الكوز ماء تكاثف ذلك الهواء إلى مقداره الأول فلذلك يدخل فيه الماء مع أنه ليس من طبيعة الماء الصعود ولكن لما زال القاسر عن الهواء تقبض طبعا إلى مقدار نفسه فتبعه الماء بمقدار ما تخلخل الهواء بالمص . وأما التغير الّذي يكون في مقولة الكيف فإنه يسمى استحالة مثل الاصفرار والاحمرار والتسخن والتبرد . وأما التغير الّذي يقع في الأين فهو حركة النقلة من مكان إلى آخر قال : وهذا التغير يقال له الحركة على الخصوص . أي أن التغيرات الواقعة في سائر المقولات لا تسمى حركة بل لفظة الحركة مختصة بالتغير الّذي يكون في مقولة الأين دون غيرها من المقولات . واعلم أن على كلام المصنف إشكالا قويا وهو أن يقال ما المراد من التغير في أن التغير يوجد في أربع مقولات ، إما أن يكون المراد به التغير دفعة أو التغير لا دفعة أو التغير مطلقا سواء كان دفعة أو لا دفعة ، فإن كان مراده به التغير دفعة في الكم والكيف والأين لا يكون دفعة بل على التدريج فان النمو والاضمحلال والاستحالة وحركة النقلة تستمر باستمرار الزمان ، ولا يكون دفعة ، ولكن التغير في مقولة الجوهر - وهو الكون والفساد - يكون موافقا له فحسب ، لأن الكون والفساد يكونان دفعة ، وإن كان مراده التغير على التدريج فالتغير في الجوهر لا يكون على التدريج بل يكون دفعة ، ولكن باقي التغيرات يكون موافقا لذلك ، وإن كان مراده بهذا التغير هو التغير مطلقا حتى يشمل جميع الأقسام التي ذكرها سواء كان دفعة أو لا دفعة فالتغير مطلقا لا يختص بالمقولات الأربع التي ذكرها لأن كل مقولة من المقولات العشر فإنها